جعفر آل ياسين
27
الفارابي في حدوده ورسومه
( أ ) - إذا كان لشيئين تعريفان مختلفان ؛ فمحال أن يتحدا في فعل واحد . ( ب ) - إذا كان لشيئين تعريف واحد ؛ كان الشيئان متفقين في الخصائص ، أي فيما يحدثانه من أثر « 24 » . والحق إنّني بهذه الوقفة السريعة مع جابر بن حيان يمكن القول بأنّ محاولته في بناء المصطلح كانت جادّة ومخلصة ، رغم وعورة المسالك يومذاك وعدم طواعية لغة العلم لما كان يريده ويقصده . خاصة وانّ جابرا كان من أنصار المدرسة التي تعتمد طبيعة اللغة كي تفهم طبيعة العالم الخارجي ، كما فعل أفلاطون من قبل . . ولعل الرجل من أوائل من استعمل مصطلحي ( الجوانية ) و ( البرانية ) في تحديد العلم الباطن والعلم الظاهر ، مستوجبا إياهما بذوقه النافذ ومعرفته الدقيقة بعلوم الأوائل وصنائعهم ، وبهذا سبق الغزالي بعدة قرون باستعماله لهذين المصطلحين . وأمّا الرائد الثاني فهو فيلسوف العرب الكندي ( ت 252 ه ) حيث كان السبيل أمامه شاقّا وعرا ، كثير المسارب ، متشعب الفصول ؛ ولكنه ، على الرغم من ذلك ، حاول مبكرا نحت المصطلح الفلسفي الجديد وتقويم بنائه ؛ مشتقا من اللغة تارة ، أو مقرونا بطريقتها ، أو مقتبسا ممّا اختاره المترجمون في قولهم تارة أخرى . . وأعمال الكندي في هذا الحقل الفلسفي تعتبر طفرة في الشكل والمضمون معا ؛ لأنّه تمكن أن يؤسّس « حدودا » و « رسوما » للمصطلحات الفلسفية والعلمية والكلامية « 25 » ، ممّا جعله طلعة بين علماء
--> ( 24 ) قارن : جابر بن حيان - المصدر السابق ص 420 - 421 وانظر : د . زكي نجيب محمود - جابر بن حيان ، القاهرة 1961 ص 58 ، 61 - 62 - 215 . ( 25 ) للوقوف على أعمال الكندي في هذا الحقل انظر : رسائل الكندي الفلسفية ، تحقيق د . محمد عبد الهادي أبو ريده ، القاهرة 1952 ص 163 - 179 . . وفات أبو ريده انّ رسالة الحدود للكندي ليست هي « أول كتاب في التعريفات الفلسفية عند العرب » ( انظر : ص 164 من الرسائل ) بل يرتفع هذا الأمر إلى عهد جابر بن حيان تلميذ الإمام جعفر الصادق ( ع ) وقد أشرنا إلى الرسالة سابقا .